عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

32

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

الباب الثالث في أقسام المحبة الجنسية والنفسية اعلم أن المحبة تنقسم إلى قسمين : أحدهما بحسب جنسها والثاني بحسب ما في نفسها . أما قسمتها الجنسية فإنها تنقسم أولا إلى ذاتية وعرضية ، فالذاتية هي التي يحبّ المحبوب فيها لذاته ، والعرضية هي التي يحبّ المحبوب فيها لغيره ، أما العرضية فمنها محبة الإحسان وذلك كمن يحبّ من أحسن إليه وهذا معلوم لا ينكر . وكذلك ما في معنى الإحسان من جلب المنافع ودفع المضارّ والإعانة على الأغراض وتيسير المطالب . فالإنسان مجبول على هذه المحبة لأنها مركوزة في طباعه ، وإذ حاصلها يرجع إلى محبته لنفسه التي جبل عليها ولا يشكّ أن محبة الإنسان لنفسه وكمال وجوده ودوامه أمر متحقّق ، فجميع ما يعينه على ذلك من صحة جسم أو صلاح حال أمر محبوب عنده مندرج في ضمن محبته لنفسه . ومن هنالك كانت محبة الإنسان لولده لأن فيه نوع خلف منه عند فناء جسده إذ في بقاء النوع ضرب من بقاء الشخص وولد الإنسان أقرب نوعه شبها به ، ولهذا قالوا : « الولد سرّ أبيه » ، فمن أجل هذا كان المحسن محبوبا لأنه معين على دوام البقاء الذي هو محبوب . قال عليه السلام : « جبلت القلوب على حب من أحسن إليها » « 1 » ، وكذا محبة الصديق من أجل أنه معين على جلب المنافع ودفع المضارّ ، وكذلك أيضا محبة المعلّم لأنه سبب الإفادة المكمّلة للوجود الإنساني ، ومحبة الطبيب لأنه معين على حفظ صحة الجسم ودفع المرض عنه ؛ وجميع ما في هذا المعنى . . . فهذه المحبة كلها عرضية ، وكلما كانت هذه الصفة المحبوبة في

--> ( 1 ) رواه الشهاب القضاعي في مسنده ، حديث رقم ( 599 ) ( 1 / 350 ) ، والرازي في تفسيره ، سورة التوبة ، آية 60 ( 11 / 89 ) ، ورواه غيرهما .